فوتوغرافر الحرب
عند كل صباحٍ و قبل أن يرتشف قهوته ذو الرغوة الكثيفة و الدخان المتلاحم مع سجارته كأنهما روحان يرقصان و يميلان مع موسيقى الهواء القادم من شباكٍ صغير … يرتشف القهوة و بيدٍ قويةٍ قد رسم عليها العمر خطوطاً إضافية _ خريطة و حكاية …
يشربها واقفاً و كأن هناك مهمةٌ مشوقةٌ لإنجازها … يلف حبيبته على عنقه غير مغامرٍ بها بعد أن يمسح عن جبينها تعبهما الواحد !
و تحت أزيز الرصاص يمضي بعينين قد عرفا الكثير من المشاهد حتى غابت عنهما روح الدهشة ..
يقف في زاوية و يوثّق ما صورت تلك العينان بشغف المحب .. يلامسها برفقٍ و خوفٍ و يحميها كطفلةٍ من دمه .. مسافران في يومٍ طويل
يمرُ ذاك الطفل الحزين الضائع يلاعبه و يرسم على شفاهه ابتسامة قبل الصورة أفضل من صنعها صورة !
كان أولاد الحي يحبونهما معاً .. رفيقان في دربٍ شاق .
ذاك السلاح المركون قرب ذلك المناضل قد بقي صاحٍ حتى استيقاظه …
و شقائق النعمان تلك قد فرشت الأرض احمراراً مسالماً و تدعوه ليجالسها .. كانت تنحني و تلتوي مع الريح و تسكت عند سماع صوت المدافع .. في شتى وضعيات الأنثى كانت ترتمي على الأرض تناشده : التقط لي صورة !
يعود مع كل الذكريات المتجددة .. ليلاً إلى منزله
كان قد تعايش مع نشرها سراً في غرفة حمراء الضوء _ يلجأ إليها عند التعب كأنها آخر وصاياه !
على حبالٍ طويلة … في كل يوم ملقطٌ جديد لحكايةٍ جديدة …
على ذاك الحبل القصير تلتفت فتجد حبيبته قبل الحرب و على ذاك الحبل حبيبته في الحرب .
” فلاش” حبيبته كان قلماً آخر و وجعاً تعبيرياً عما عاشه في مدينةٍ منكوبة …
امتلأت الغرفة بحبال الصور ,, منتظراً و خائفاً ألّا يسع الغرفة قريباً حبل ما بعد الحرب ! …